أبو نصر الفارابي
80
الجمع بين رأيي الحكيمين
( 1 ) الاجماع على أن أفلاطون وأرسطو هما المرجع الأول للفلسفة ؛ ومعنى الخلاف في الرأي فيهما : إذ الفلسفة ، حدها وماهيتها ، انها العلم بالموجودات بما هي موجودة . وكان هذان الحكيمان هما مبدعان « 6 » للفلسفة ، ومنشئان لأوائلها وأصولها ، ومتممان لأواخرها وفروعها ، وعليهما المعوّل في قليلها وكثيرها ، واليهما المرجع في يسيرها وخطيرها . وما يصدر عنهما في كل فنّ انما هو الأصل المعتمد عليه ، لخلوّه من الشوائب والكدر . بذلك نطقت الألسن ، وشهدت العقول ؛ ان لم يكن من الكافّة فمن الأكثرين من ذوي الألباب الناصعة والعقول الصافية . ولما كان القول والاعتقاد انما يكون صادقا متى كان للموجود « 7 » المعبّر عنه مطابقا ؛ ثم كان بين قول هذين الحكيمين ، في كثير من أنواع الفلسفة ، خلاف ، لم يخل الامر فيه من احدى ثلاث خلال : إمّا ان يكون هذا الحدّ المبين عن ماهية الفلسفة غير صحيح ، واما ان يكون رأي الجميع أو الأكثرين واعتقادهم في تفلسف هذين الرجلين سخيفا ومدخولا ، واما ان يكون في معرفة الظانّين فيهما بانّ بينهما خلافا في هذه الأصول تقصير . ( 2 ) معنى الفلسفة وتحديدها : الفلسفة تشمل جميع العلوم ؛ وفيها بحث كل من أفلاطون وأرسطو : والحدّ الصحيح مطابق لصناعة الفلسفة ؛ وذلك يتبين من استقراء جزئيات هذه الصناعة . وذلك ان موضوعات العلوم وموادّها لا تخلو من أن تكون : اما إلهية ، واما طبيعية ، واما منطقية ، واما رياضية ، أو سياسية . وصناعة الفلسفة هي المستنبطة لهذه ، والمخرجة لها ، حتى أنه لا يوجد شيء من موجودات العالم الّا وللفلسفة فيه مدخل ، وعليه غرض ، ومنه علم بمقدار الطاقة الأنسية ( الانسانية ) . وطريق القسمة يصرح ويوضح ما ذكرناه ، وهو الذي يؤثر الحكيم أفلاطون . فان المقسّم يروم « 8 » ان لا يشذّ « 9 » عنه شيء موجود من الموجودات . ولو لم يسلكها أفلاطون لما كان الحكيم ارسطوطاليس يتصدّى لسلوكها .
--> ( 6 ) « ا » مبدعان ؛ « ب » مبدعان وينبوعان . ( 7 ) « ا » الموجود ؛ « ب » لوجود ؛ « د » للموجود . ( 8 ) « ب » يتروم ، « ا » ( ناقص ) ، « د » يروم . ( 9 ) « ا » « ب » يشد ؛ « د » يشذ .